أحرف النوع والجندر

Publié le par abdennour driss

 

أحرف النّوع..والجندر

 

 

"الإنسان يفكر ، والإله يضحك" مثل يهودي

 

قصة قصيرة بقلم عبد النور إدريس

 

   

 

الجيم:ذاكرة المُجون

 

كان الليل على جانبيْ الطريق.. رقيقا.. غارقا في تفاصيل المرور، وكان وقع الأقدام البعيدة المخترقة للصمت تنطق بما في نفس القادمة..أو القادم...الخطوات ثقيلة...يتآكل صوتها كذاكرة تأسست على ممارسة التساؤل، كشكل من أشكال فضاءات الاحتراق و قبل الاغتسال.." لَلاَّ عزيزة تاﮔورامت " تجري ولا تتعثر...الريح تداعب بقايا الخريف، ينزل اللحن على الخبز العاري فتتعفّن النظرات مصعوقة على أجزاء جسد فصلتها الرغبة للتَّو..

 

    تحوّلت أمام باب الجحيم إلى إيرينية تبحث عن دماء الأقارب، ترفل في جلد نمر أو نَمِرة..لا أدري من يتهافت الصيّادون على اقتناصه في هذا الزمن الإسفلتي بشارع المدينة الرئيسي.. المغلوق المنافذ والمزلج لتقف عليه الأجساد الرقيقة والمنتشية بامتشاقها.. لقد أزاحت تاج الحسرات التي تلاشت من لوثة الصمت وبلاغة الأحلام الملغومة في ضمائر التيه... ولم تكن ثورتها سوى وجها آخر لحقيقة استسلامها..

 

    نون:بكارة شهريار..

 

    شهرزاد تحكي موتها المتكرر على أجفان الليل تئن من وطأة التعفُّن على المسامع، يمنحها الإنصات قوة الحضور وشهوة التعفن ولحظة الاستمرار في الحَكي..

 

    أين ساطور شهريار... القاعدة الذهبية تقول أنه لم يكن فحلا، أنثاه تقيم الحجة على عشق الجسد الأسود وتركت له بلاغة الاعتزاز بحرب البسوس.

 

    ها قد هاجم التعرّي والافتضاح معنى ذكورة الأيام.. رمّم بكارة القرون.. فوقف الاستشهاد حاضرا على جسد يقاوم تلاشيه في حُرقة الاختيار بين صدر الشاعر أو دفاتر أشعاره.. وبذلك ستختار المُغنية بين الجنّة والنار في ملكوت شاعر يُصدح بأعلى أنينه...

 

"...إنّي خيّرتك فاختاري..

 

ما بين الموت على صدري..

 

أو بين دفاتر أشعاري.."

 

    يقاوم جسد للا عزيزة إغراءات الشاعر.. لكن تكلّست فضاءات الاختيار بين ألوانٍ للمسير ازدحمت في طريقها الناهد في بلاغة الشيطان.. والكواعب في زغرودة الإيمان..

 

  الحلم الخرافي لقناعات نون النسوة بثورتها على باقي الضَّمائر العَميلة.. دخلت أقبية الاشتهاء تتشَرْعَنَ داخل الأدعية الممزوجة بأدخنة العطور وحمأة الأجساد ، لشدّ ما تُردد للشاعر  قصيدته حتّى أصبحت مسكونة بعطرها وبدمغة الحكم بالتنفيذ.. كل الصور والنصوص مسروقة منذ ألفي عام تعبث بنهد الفصول وتحتفل بعرس مألوف يمتلئ باللحم الطازج أمام باب الولي "الشيخ الكامل" الذي ترضى عنه الملائكة لمّا تتمايل رؤوس "عيساوة " فوق الأجساد التي تشتهي من الألوان أسودها ومن طيبات ما وراء الحياة...اللحم "لَخْضَر"..

 

    فحتّى ينمو التلوث في جسمها بعدد الإناث المشاركات في مهرجانات ملكات الجمال... ثمة" سندبادة" تستفيق من حلمها كي تخط للحكاية نهايتها الواقعية بعد أن صدح الشاعر برعبه فوق صحيفة الإفطار:

 

أيتها السّندبادَة التي أمطرت

 

 خريفها عشقا..

 

لا تنامي فوق الأعشاب..

 

ستنز رعي في تفاصيل الليل زورقا

 

ألا تخافي تجاوز الأعتاب..

 

إن تحت الوسادة..رجل عاري

 

 وشطحات المواسم..

 

        ... وصوت السندباد...

 

    دال: الزفاف المستحيل..

 

    ليس سهلا أن تنامي فتستعيدي بكارة أسطورتك إن الرحلة قد تنتهي عند فجر من الضباب..

 

 داخله الموت خجولا فتساقطت أعمدة "البسوس"و لم تكن العنقاء نائمة تحت الشمس.. لقد ضاجعها الفرسان والقراصنة فشرب البحر زرقته وسافر على أعناق النسور..

 

    تفرّج شهريار على فعل فاض عن الفحولة، فاستلّ سيفا من وضح النهار فذابت النساء على بُعد أمتار من ثوب الزفاف...

 

    راء: شُموع للأولياء..

 

    الناي يزغرد..والوجه زغرودة صمّاء تتحول أمام المرآة ثعبانا أثمرت فيه الجنازة صوت عُطيل، لقد قادتها أمها إلى الولي الصالح "سيدي أحمد بن خضرة" الزليج المُرقَّطُ لمّا يلمس قدميها تبتهل..تتسلل إلى ما وراء التابوت... تلاحق تمتماتها جحافل الأدعية الصاعدة من الداخل... عشرات من الشموع تُضيء في عينيها، سبقتها أمها فدخلت تحت إزار "الهدية الكبرى" .. الثوب الأخضر المنقوش بالذهب الذي طرّزته غفلة الزائرات... يدها اليمنى ما زالت ممسكة بها كحرف ما زالت وظيفته البلهاء ، ممارسة جر ما بعده إلى الوراء... كانت أمها تقول دائما: إن ما يغضب الله أن يبقى الإيمان في الصدر ولا يكبر على أبواب الأولياء... فتزول أيام النحوس... ويكبر الأولاد في الأحشاء...

 

    ذاكرة الطعنات تسبقها إلى مخارج الحروف... لن تنتصب الراية الخضراء للولي "سيدي أحمد بن خضرة " فوق جراح الأثداء... فحتّى عورات المنبطحات على باب الولي.. لأخذ جواز السفر الأحمر إلى قلب الرجل لا تغفر للشيوخ نظراتهم الشّبِقة إلى عجيزات الزائرات .. هو المرور الدائم للانتصاب المزمن المترامي في فزع من خُوار النظرات التي تلتذ بخريفها وتحرك كل  المواهب التي قد تحلق في الصحيفة المسائية للبحث عن قارئ ثمل من رائحة الطمث.. عن أميٍّ أوشكت دمدمات "تلاوته" أن يغشاها السيلان  ...

 

 

    تاء:الأسئلة المغشوشة..

 

ألغى الليل اللقاء... تسمّر "التيجاني" أمام صينية الشاي.. آثار أناملها المُخْضبّة على الكؤوس لم تعد تجيب على أسئلته الحائرة... إنه ينتظرها لتنشر سواحل اللهب داخل عقله المغلق... إنه يفكر حسب درجة حرارة الشاي في ذلك الفضاء المتشح بكبرياء الطبيعة وعنفها الثليج.. الأسئلة العتيقة تفتقد إلى رُعب الشهوات، والصخب النابض بعقله تحوّل إلى عواء وصهيل.. لليل حكايته، أغنيته التي تعري الخبايا المكتومة، نومه الداعر الذي يفاجئ النهار بوجود السلاسل الصدئة على الزناد والمعاصم شبيهة بالأساور والدمالج الذهبية..تردد في صمت على مسامعه..أنا على العهد مادام الأولياء يزرعون تموجات الضوء في ذاكرة الأشياء المُترعة بزمن الاعترافات ..

 

 تغمرها دهشة الأولياء من كثرة الزحام حول الشبابيك اللقيطة التي تحجب حواشي الإيمان عن رؤية العميان ..

 

    تلطخ النهار بمقاسات الحديد والنار فنبت السيف والرمح مكان اعتصار النهود...

 

    وهاهي ذي قائمة الأولياء ما زالت تَعُجُّ بالأحياء تبيع الصدر العاري والمستعار من جريدة الأخبار،حتّى اسألوا وفاء ... النحلة التي تخصّصت في تأثيث الأسئلة واستهلكت من زمن السرد الإجابة على فهارس النسيان، عاشت قوانين الفصول والأبواب في حنجرتها، تُقلق صمت المدينة، تُفجّر في صخب الأصوات.. معنى الحسم في نُقَطِ تواجدها أو تترك فراغاتها منقوشة على كل الجِباه .. تستحثّ أقدامها الممتلئة بالبكاء والعدو.. تنادي الفرار بصوت جهوري.. تختلس النظر من تحت عينيها إلى هياكلنا المتخشبة وتصرخ..

 

ـ سيدي... سيدي... يا سيدي ولد أحمد ... البكاي هبني صبر الصّالحين أو خذ عنّي بكاء الغواني و جنون الهوامش والأجساد المثلّجة وخذ مقاسات الرؤوس الحليقة في سباتها و التي يشقّها ساطور الولي"سيدي علي "حتّى نضمد جراح الفُحولة من ظلال الحروف ، ضعني في حضرة الرَّكبة مع الأولياء والصّالحات حيث طقوس العشق تُحيط بزغاريد الأحلام وصمت الحُرقة... وحرقة الصمت على من ينفث الدخان في أوراق عشيرته... والمتسائل عن معنى  كون الحروف بدون ظلال..

 

وهذا الأستاذ" البخاري" يقف منذ سنوات وقد فجّر التدريس طبلة أدنيه.. في حديثه ترجمة للغة الفراشات .. في حركاته شرنقات للمعنى يعمل على ترتيب فوضى الجالسين وخلخلة أعماق السامعين، برقّته الصامتة كالسيف وبانحناءاته اليابانية كالزلزال.. كالصيحة المخنوقة، يسألها بنزق شديد الحمرة كما الخجل في عيون "السطوب"..

 

ـ ماذا تقولين في الذهاب معي لليلة حمراء...

 

صدمت الإجابات ذاكرة السارد وصحيح البخاري، وكانت أعين نازك والتيجاني تتبادل إشارات مملوءة بأشجان التراث وتطلعات الحداثة المُنْدغِمة بطقوس الحكي.. حيث تتعرى اللغة والنظرات وأغطية التسبيح..

 

 وصية للكائنات التي تُصارع لحظات انتشاء الجسد برغبته..

 

    لقد كانت رائعة أو عظيمة.. عملت على تحريك المتخيل .. وفتح ذاكرة الأشياء.. إنها  الساردة  التي سيضحك من حكيها الإله ...

 

 

Publié dans سـرد

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article