هُتاف الجسد بين الحرية والتحرر

Publié le par abdennour driss

 

 

 

الفصل الثاني من كاتب (الكتابة النسائية ..حفرية في الأنساق الدالة..الأنوثة..الجسد ..الهوية..)

 

 

هُتاف الجسد

 

بين الحرّية والتحرر…

 

في السرد النسائي العربي

 

 

"شاءت الأقدار، يا سيدتي، (...)

 

شاءت الأقدار أن تعرف عيناك الكتابة

 

في صحارى ليس فيها..

 

نخلة.....

 

أو قمر... ..

 

أو أبجدية..." ...

 

 (الحب في الجاهلية)

 

 

 

1– منطلقات التحديد في ضوء ثقافتنا الذكورية.

 

لم يتطرق النقد العربي الحديث لموضوع المرأة انطلاقا من نظرة لم يستعمل من آلياتها ذاكرة الوعي العربي  لاستنهاض سجالية ذكر/أنثى، وبذلك حُدد الإبداع النسائي من ضمن الاستفراغات النفسية لمكبوتات الذات النسوية في مواجهة انطولوجيتها، من ذلك اعتبَر النقد الذكوري  مجمل المنتوج التخييلي للمرأة  كحوار داخلي  لا يرقى  لاستشراف "مدينة افلاطون" كنمط تعبيري  لتوسيع دائرة الانغلاق حول الذات وبالتالي إنتقاد الواقع المعيش واستلهام تغييره.

 

إن رد الفعل "التحرري " الذي حام حول الكتابة النسائية طبع الصورة الفنية للنص الأدبي النسوي  بفيض الأحاسيس  الجياشة التي جعلت النقد  المواكب له يقيمه بمستواه العاطفي عوض تقويمه انطلاقا من تركيبته المتخيلة، من حيث إن "النقد ليس  فعلا في متناول أي متمرد، لأنه عمل فكري إجرائي شاق" (1).

 

 فلما نقارن  المتخيل الأدبي  "النسوي " بنظيره  الرجولي   تطفو  تلك الهيمنة القوية للأدب"الرجولي"التي تضع تمايزا جنسيا مفارقا يصعد من استرقاق الأدب النسوي لاحتلال الهامشي ،" يدعم كل هذا ما تختزنه الذاكرة العربية من إرث يضم مجموعة من التصورات التي ارتبطت بالمرأة منذ القديم والتي حولتها إلى حضور ضعيف في المجتمع او سلبي في الفعل الإنساني"(2).

 

 ولما شكلت المرأة محور الاهتمام داخل  بنية المتخيل الذكوري اتبع النقد الأدبي نفس المنحى لتنميط المرأة كمحركة لأعماق الإبداع ، كموضوع  وابتعد عن فهم إمكانية صناعتها لمتخيل خاص بها، وقد نجد عمق هذه السلبية النقدية تعود إلى اعتبار الإبداع عند المرأة من جملة المظاهر التي تبلورت ضمنها  عملية تحرر المرأة من ضغط سلطة الأحكام الموروثة  والسلطة الرمزية للرجل .

 

2- إغرابية الكتابة النسائية.

 

"إن درجة تحرر المرأة تصبح بكل بداهة مقياس التحرر العام" شارل فورييه

 

لاشك أن المرأة الكاتبة ستجد بعد تلمُّسها لواقع الخطاب الأيديولوجي الحديث احتواءه على متناقضات لا ينتج من ورائها سوى اغتراب جديد ينضاف إلى غربتها التقليدية داخل المجتمع .

 

إن حاجة المرأة للكتابة استدعاها التفارق المفاهيمي والمعجمي بينها والرجل الذي كان يستكفيها وصف حاجاتها  إلى الكتابة ، إن هذه الهوة التي جعلت المرأة لا تكتفي بشهامة العشق ولا بالثقافة المأساوية التي ينتجها الرجل حيث القليل من المتعة والكثير من الرقابة والعنف والكبت.

 

 وقد تساءل رولان بارت بعدما جعل موت الأب يحرم الأدب كثيرا من لذائذه ، عن الحاجة إلى رواية القصص فقال " ألا تعود كل قصة إلى الأوديب؟" (3).

 

قد تجيب الأنثى على رولان بارت انطلاقا من عمق الصياغة التأبينية للاستعارات،إنني إذ أكتب، فلكي لا أرى انتصاب الطوطم بأحلامي.

 

إن فحولة الطوطم لا تطرد الكتابة، إن الخفي من الطوطم يشكل جوهر الكتابة النسائية ، إن ثنائية الصائد/الفريسة  تلعب دورا في فهم الهندسة الجنسانية داخل وسطنا التقليدي ، الطوطمي النزعة من حيث مقابلتها بثنائية ضدية أخرى المرأة/ الكيد.

 

   إن ثنائية الصائد/ فريسة تجد مدلولها داخل مؤسسة العزوبية على اعتبار أن الأعزب يمثل دور الصائد أمام الأنثى التي تلعب دور الفريسة، وكعزاب تجد هذه الصور مكانتها في عمق ما  يمتلكه أطراف الثنائية عن ذاتيهما.

 

 ومن غرابة هذه الثنائية أنها تأخذ عكس مدلولاتها داخل مؤسسة الزواج بالعلاقة مع سلطة المرأة  الكيدية  فيصبح الرجل  فريسة (امصَيًّد) والمرأة  قناصة ، ومن  ذلك  يستلهم الرجل/ الفريسة كل وسائل مقاومته لهذه الشيطنة باستدعاء  كل السُّلط الدينية والاقتصادية والسياسية  والثقافية في مواجهة سلطة الكيد  الأسطورية التي تُنسَب للمرأة التي تعطي الانطباع إن على مستوى السلوك أو مستوى الأخلاق بأنها طريدة سهلة الاقتناص وبالتالي سهلة العريكة والانقياد،تقول فاطمة المرنيسي "بحيث يتيسر فهم الهندسة الاجتماعية السائدة حاليا في هذه  المجتمعات  سواء على مستوى الأسرة  أو توزيع المكان بين الجنسين في علاقتها بسلطة الكيد التي تتوفرعليها المرأة .ويبدو النظام الاجتماعي كمحاولة هادفة إلى كسر شوكة هذه السلطة وتجميد مفعوله الهدَّام"(4) .

 

 إن توزيع الأدوار من خلال ثنائية العزوبة/الزواج تجعل المؤسسة الأولى (العزوبية) سائدة، خاضعة لنمطية الدور البدائي المجسد في البيولوجي الذي تقوم مماثلته بالحُوين المنوي في اختراق البويضة، أما المؤسسة الثانية والتي تحقق ذلك التنافس الرائع حول السلطة لا تعترف به الثقافة السائدة المعتمدة على أنموذج تركيعي للنساء باسم القيم الدينية والمجتمعية.

 

 وإذ نُسقط  هذه  الثنائية على تجدُّر وفرادة الكتابة  النسائية  من حيث أصالتها نجد أن الكاتبة/ العزباء تثير في النص الأدبي ثوريته الممكنة والمفتوحة على إدهاش لا يُسقط حق المتعة من حسابه، بما فيه التعري أمام المتلقي(نموذج ليلى عثمان).

 

   أما ثنائية الكاتبة/ المتزوجة فإنها تعكس هوس المرأة بالبحث عن الحرية ونزوعها إلى كسر قيود السلطة الذكورية الشيء الذي كان يطبع المساهمات الأدبية للرائدات ( خناتة بنونة،آمنة اللوه، مليكة الفاسي) بطابع التحدي " فتصبح المساواة بالرجل هي الغاية التي تهدف إليها المرأة بينما المسار السليم لنضالها حسب يمنى العيد يتحدد باحتلال موقع في المجتمع، وفتح علاقة مباشرة معه"(5).

 

 إن الطابوهات التي تحيط بالمرأة ضمن هذه الكتابة قوية الحضور تمارس الحصار الطَّروادي على جسد الرجل حتى أن خناتة بنونة لم تجد من إمكانيات للتحرر من قبضة النظرة الذكورية سوى ممارسة منهجية الابتسام"وشرط الاستطاعة" تقول في أقصوصة (لو أبتسم)" أريد لو أبتسم ..كالعادة ..أن أطبعها على سحنتي فتكون أجرأ إدانة ..فلو أبتسم ..لو أستطيع..لسمرتك في قفص بسمتي ..لسجنتك في إدانة ما لها آخر ..ولتحررت" (6).

 

 إن خناتة بنونة ما زالت تتحرك ضمن النسق الفكري لسيمون  دي بوفوار ، تُخلط بين الرجل  والإله ، فهي  في  مواجهة  سلطة اليمين  تدفع  بالأنثى  لجرد  سلاح  الابتسام تقول"انعرجتْ يسارا لتواجه الصومعة بعد خطوات..إن الساحة تنتظر الابتسام"(7).

 

 كما لاحظت رشيدة بنمسعود أن محدودية اللائحة التي تضم الممارسات لكتابة القصة المغربيات تجعل " الدارس عندما يستحضر هذه اللائحة يحس بالخجل والإعجاب في آن واحد .يحس بالخجل حتى يكاد يجزم مع الدكتور عبد الكبيرالخطيبي بأننا في المغرب "ما نزال في مرحلة ما قبل تاريخ الأدب النسوي". ومما يميز هذه التجربة أيضا هو التوقف، وعدم الاستمرارية التي اتسمت بها كل من تجربة آمنة اللوه ومليكة الفاسي، وفاطمة إبراهيم الراوي مما يجعلنا نتساءل عن سبب هذا العقم الأدبي" (8).

 

إن الانتماء إلى ثنائية الكاتبة/ المتزوجة وخاصة في الفترة التاريخية التي لم يكتمل فيها نضج تجربة الكتابة النسائية يطرح أكثر من سؤال عن دور عامل مؤسسة الزواج في نضوب معين الإبداع لدى المرأة .

 

 كما يتلاقح التساؤل وانطلاقا من الدور التحرري والاجتماعي الذي كان يقوم به هذا المنتوج الأدبي النسائي كخصوصية، نجد الجواب يفضي حسب طرح رشيدة بنمسعود أنه كلما تقدم الوعي الاجتماعي تضاءلت الأهمية الذاتية للأدب النسائي لاعتبارات عامة تصبح فيه معاناة المرأة جزءا واقعيا من معاناة المجتمع ككل على حد تعبير شارل فورييه "إن درجة تحرر المرأة تصبح بكل بداهة مقياس التحرر العام" .

 

 ولهذا كان ذلك ما " يحمل على الظن بأن آثارهن الفنية إنما هي نوع من تسامي الدوافع الجنسية أو دوافع الأمومة" (9).

 

3- مشروعية الكتابة بالجسد، أو الإستربتيز الأدبي.

 

Littéraire "strip-tease"

 

 

" إذا كان الأسلوب هو الرجل إن الكتابة هي المرأة" جاك ديريدا

 

إن جسد المرأة هو صورة نفسية تشكل انتظاما مفتوحا على السياقات الاجتماعية والثقافية التي تعتبر العمق غير المرئي للجسد بمثابة طقوس تتهاوى على الشكل الاحترافي للأوضاع الجسدية،تجعل الجسد مقيدا بأقانيم تجعل انسيابه وغيابه في اتساع عودة المكبوت حاضرة.

 

فالمرأة تكتب لتغلف جسدها وتجعله هامشا ينفلت من الشَّهوية لتعطي للنص المكتوب لذته الشبقية فوق الجسد السافر، وتستعيد تحررها عبر دفع الرجل إلى الإنصات إلى جسد الكتابة وتعرض الجسد الأنثوي للانمحاء داخل فضاء رمزي لا يتميز بالحركة "إن المرأة بأساليب التمويه التي تلصقها بجسدها تكتب مباشرة على جسدها،  تعطي عناية خاصة لفتحات جسدها، عينها وفمها، إنها ترسم ورسمها تكثيف لرغبتها، والرجل تتولد لديه حساسية خاصة نحو هذه الرموز"(10).

 

 فعوالم المرأة الكاتبة مفتوحة على فعل التخييل، على أشكال أحاديثها العذبة عن عالم مغروس في أنَّوِية المجتمع الذكوري التقليدي .

 

إذن ما هي أشكال الدخول إلى العوالم التخييلية للمرأة الكاتبة ؟.  

 

ولقد تساءل موليم لعروسي عن  حقيقة الإبداع النسوي حيث قال:"هل للإبداع  النسائي خاصية معينة تجعل منه شيئا متمنعا عن الرجل وإن هو أراد الوصول إليه فعليه مطلقا أن يتحول إلى أنثى ؟ "(11).

 

 إن هذا التساؤل ومثيله :" ما الذي في إبداع النساء نسائي محض ولا يستطيع الرجل الإتيان به إلا إذا تحول إلى أنثى ؟" (12).

 

تجعل الكتابة النسائية مُتحققة من خلال اعتبار الأنثى هي الأصل، وبما أن الرجل لا يعقل هذه الكتابة إلا وهو مَخْصي، يكون لتذوق الصورة الإبداعية شكله الغامض عن سياق مألوف يستجدي الصورة العامة لفهم الرجل للمرأة عبر المتعة البصرية البعيدة الاستهلاك بالمخيال الذكوري حيث " إن الجمال هنا يغدو رأسمالا رمزيا مولدا للتواصل وفي الآن نفسه مكمَنا من مكامن الخيال الاجتماعي" (13).

 

إن الثنائيات الضدية التي

Publié dans نـقـد

Commenter cet article