العصر الرقمي والرواية 1

Publié le par abdennour driss

 

 

الأستاذ: محمد سناجلة - رئيس اتحاد كتاب الأنترنت الال

 

الأستاذ محمد سناجلة ـ رئيس اتحاد كتاب الأنترنت العرب

 

العصر الرقمي والرواية

 

         إنّ لحظات التّحوّل في التاريخ البشريّ هي لحظات ارتباك وحيرة للغالبيّة الكبرى من البشر، وهي لحظات ارتباك لأنها لحظات تفصل بين زمنين وطريقتين مختلفتين للحياة، وهي لحظات قد تبدو مشوّهة أيضاً، وذلك لما يعتريها من غموض وحيرة وضبابيّة في الرؤية، إنها تشبه تماما تلك الحالة التي يتحوّل فيها الإنسان من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب والرجولة حيث يغدو الإنسان لا هو بالطفل ولا هو بالرجل وانما هو بين بين، بحيث تولد حيرة للآخر في كيفية التعامل معه، ولهذا فقد سميت هذه الفترة من عمر الإنسان بالمراهقة، وهي كلمة تحمل في ثناياها الكثير، ومع ذلك فإنّ هذه اللحظات هي لحظات قصيرة  ينتقل بعدها الإنسان إلى مرحلة الشباب والنضج.

 

 

                ونحن نعيش الآن في زمن مشابه ولحظات مشابهة، ذلك أننا بدأنا وفي مدى زمني أقصر من المتوقع ندخل بقوّة للعيش في زمن آخر وفي عصر آخر... إنّه العصر الرقمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ما زال غير واضح للكثيرين، فهناك الآن بيوت تتحدث للحاسبات ومجلات تتحدث للتليفونات اللاسلكية وسيارات تتحدث للإنترنت، وأصبحت المعلومة في متناول الجميع بعد أنْ كانت حكراً على بعض البشر، وغدا الكمبيوتر جزءاً أساسياً من متطلبات الحياة التي لا غنى عنها، وبدأنا نشهد تحولاً في وسائل التعليم وموضوعاته، وبدخول الإنترنت والهاتف المحمول التغت المسافة أو كادت أنْ تلتغي، وتقارب الزمن حتى كاد أنْ يصبح واحداً، فلا زمان ولا مكان قادر أنْ يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، حتى أمسى العالم كله ليس قرية صغيرة كما كان شائعاً في العصر التكنولوجي، بل أصغر من حجرة صغيرة في بيت، أصبح العالم شاشة...مجرد شاشة زرقاء .

 

 

                وغدا التّحدّث أو رؤية شخص آخر مهما كان مكانه في المعمورة لا يأخذ سوى بضع ثوان أو أقل، وبدخول تكنولوجيا الواقع الافتراضي أصبح الخيال واقعاً والمستحيل إمكانية، فكثيراً ما كان  يهرب الإنسان من الواقع بمشكلاته المختلفة إلى دنيا التخيّل والافتراضات التي لا تحدها مشاكل أو قيود فيحقق في الخيال ما يعجز عن تحقيقه في الواقع ولذلك فهو يحلم دائما بأن تذوب الفوارق بين الحقيقة والخيال ليستمتع بكل شيء، ومن جانبها التقطت تكنولوجيا المعلومات هذا الحلم وحاولت تحقيقه لتتيح مستوى جديد من الحياة لم يكن ممكناً في السابق إلاّ في الأحلام.

 

 

                وبالطبع فإنّ تكنولوجيا المعلومات ليست قادرة على تحويل كل التخيلات إلى حقيقة لكن يمكن القول إنها استطاعت حتى الآن وضع آليات قادرة على ذلك وأن تذيب بعض الفوارق بين الواقع والافتراض تحت ظروف معينة وتنشئ منهما مزيجاً جديداً أطلق عليه اسم "الحقيقة التخيلية" أو الواقع الافتراضي وهو نوع من الوقائع أو الحقائق التي يجري صنعها وتكوينها عبر برامج وحاسبات متخصصة في ذلك لتظهر وتتجسد بالشكل الذي تجري به على أرض الواقع فعلاً، وقد تطور مفهوم الواقع الافتراضي ليصبح اتجاهاً أو فلسفة رحبة لا تقتصر فقط على برامج الصور ثلاثية الأبعاد ولكن تشمل أيضا تكوين الخدمات والكيانات والمنتجات الافتراضية في كل مجال من مجالات الحياة،  ومن المتوقع مستقبلاً أنْ تذوب الفواصل بين الواقع والافتراض بشكل شبه تام، بل إننا بدأنا في رؤية هذه الفواصل تتلاشى منذ الآن.

 

 

                ففي مجال التعليم مثلاً  بدأت تظهر المدارس التخيلية التي ليس لها وجود مادي على أرض الواقع ولكنها موجودة فقط في ذاكرة الحاسبات العملاقة ومواقع شبكة الإنترنت ونظم معلومات التعليم المختلفة، بل إنّ المدرسة الحقيقية العادية أصبح لها وجه افتراضي إلى جانب وجهها الواقعي فهناك الآن أعداد كبيرة من المدارس والجامعات التي أنشأت لنفسها مواقع على الإنترنت تقدم خدمات تعليميّة دخلت في صميم المنهج الدراسي، وأصبحت من الأجزاء الأساسية المكونة له، فهناك دروس تبث عبر الشبكة وهناك مدرسون افتراضيون يمكن التوجه لهم بالأسئلة والدخول معهم في حوارات تفاعلية كاملة والأمر لم يتوقف على المدارس فقط بل وصل إلى الجامعات وخرج إلى دول العالم المختلفة، بحيث أصبحنا نرى الآن خريجين يحملون الشهادات الجامعية من جامعات موجودة في الخيال فقط.

 

 

                أمّا في مجال التجارة فظهر مفهوم التجارة الإلكترونية حيث أصبح بإمكان الناس أنْ يشتروا أي شيء يريدونـه مـن أي مكان في العالم وفي أي وقت يشاءون عن طريق الإنترنت من دون مغادرة أماكن جلوسهم خلف الشاشة الزرقاء، وأصبح إنشاء الشركات وممارسة الأعمال لا يحتاج لأكثر من جهاز حاسوب واتصال بشبكة الإنترنت وعقلية متفتحة لتدخل بقوة إلى عالم تحقيق الأحلام .

 

 

                وليس هاذين سوى مثلين فقط مما يهجس بهما العصر الرقمي بما يحمله من إمكانيات لا تعد ولا تحصى.

 

 

                لقد تغيّر شكل الحياة تبعا لذلك، وتغيّر الناس، وتغيّرت المفاهيم والقيم أو هي في طريقها للتغيّر السريع .. لقد ظهر إلى الوجود مفهوم الحياة الرقمية والمجتمع الرقمي والواقع التّخيلي و... الإنسان الافتراضي...

 

 

                إن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا عن الفنّ... الأدب... الرواية تحديداً ؟؟؟

 

 

                هل تستطيع الرّواية بشكلها الحالي أنْ تستوعب الثورة الرقمية المتسارعة في العالم، أم أنها يجب أنْ تتخلى عن مكانتها لصالح أشكال تعبيرية وإبداعية أخرى أكثر قدرة وجاذبية كالسينما أو البرمجة مثلاً؟؟؟؟

 

 

                وهذا السؤال يقود إلى سؤال آخر: هل الروائي بشكله وأدواته الحالية قادر على المضي في مغامرة الرّواية في ظل العصر الرقمي الآخذ بالتشكل؟؟؟

 

 

                والسؤال السابق بشكل أكثر وقاحة: هل الروائي بأدواته الحالية المستهلكة قادر على أنْ يبقى روائياً؟؟

 

 

                وفي الحقيقة فإنّ محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة ستقود إلى دوامة محمومة أخرى من الأسئلة من مثل:ما موضوع الرواية القادمة؟؟ ما لغتها، بل ما هي اللغة أصلاً؟؟ وهل الكتاب – بشكله الورقي المعهود- قادر على استيعاب الرواية القادمة؟؟؟ أم أننا بحاجة إلى لغة أخرى وكتاب آخر؟؟؟؟

 

 

                إن الإجابة عن هذه الأسئلة التي يلد بعضها بعضاً في سلسلة ملعونة وموتورة يجب أنْ يقودنا إلى التوقف والعودة إلى التاريخ … تاريخ الرواية.

 

 

                ولكن قبل العودة إلى التاريخ دعونا نستمع إلى آينشتاين وهو يهمس " إنّ المعرفة محدودة ولكنّ الخيال غير محدود " ثم ننطلق من هذه الهمسة الصغيرة في محاولة الإجابة عن حقل الألغام السابق.

 

 

                حين أطلق سرفانتس العنان لخياله ليحلم بعالم آخر غير عالمه الواقعي الذي لم يكن قادراً على تقبّله والتعايش معه، كتب الدون كيشوت، كان الدون كيشوت استجابة عملية لخيال غير عملي، ذلك لأنّ سرفانتس كان مسكوناً بالماضي وبالقيم الأخلاقية التي سادت في زمن لم يعد قائماً، زمن الفرسان والنبلاء والفضيلة حيث تسود قيم الخير والحق والجمال، وحيث أنّ العالم الذي كان يعيش فيه سرفانتس كان عالماً من فوضى فقد كانت الإمبراطورية الإسبانية في قمة تحللها وانهيارها، فكان لا بد له من العودة إلى الماضي فعاد.

 

 

                من هذه النقطة انطلقت الرواية الحديثة بمعناها الواسع.

 

 

                لكن السردلم يبدأ بالرّواية، فقبل سرفانتس والدون كيشوت كانت ليالي ألف ليلة وليلة، التي تعتبر بحق تأسيساً عملياً للرواية.

 

 

                كانت ليالي شهرزاد نوعاً آخر من الاستجابة العملية لخيال غير عملي هرباً من واقع مرعب، واقع مليء بالظلم وانهيار القيم.

 

 

                إذاً فقد جاءت الرّواية وليدة للخيال البشري الجامح الذي حاول أنْ ينشئ عالماً آخر موازياً لعالم واقعي مرفوض أصلاً، وهذا يعني أنّ الرواية ولدت نتيجة لحافز فاعل ورد فعل فاعل موازٍ له في القوة ومعاكس له في الاتجاه حسب القانون الثالث من قوانيـن نيوتن.

يتبع

 

 

              

Publié dans مقال صدي

Commenter cet article