المرأة والكتابة إلى أين؟ 3

Publié le par abdennour driss

المرأة والكتابة إلى أين؟

 

 

تابع الجزء الثالت

تدخل الأستاذ زكي العيلة

 

للإجابة على التساؤلات التي يطرحها الأديب المبدع إدريس عبد النور، يمكن العودة للنماذج النسوية في الكتابة السردية للمرأة الفلسطينية الكاتبة حيث احتلت قضية الحرية الفردية للمرأة في علاقتها بالرجل حيزاً لا بأس به في الرواية ، و يُلاحَظ هنا أن بعض الشخصيات النسائية قد خلطت بيــن التـحرر بمعناه الإيجابي الذي يعني صقل الذات بالإرادة والمعرفة والممارسة الاجتماعية الواعية الواثقة ، والتحرر بمعناه السلبي الذي يعني السقوط والانحلال وتجاوز أخلاقيات المجتمع ، مما أدى إلى ضياع كثير من تلك الشخصيات التي بدت بتصرفاتها المنفلتة ، كأنها مقحمة على المجتمع الفلسطيني ، حيث لا تزال تسود جملة من التقاليد المتوارثة التي لا تخفي تحفظها من المرأة العابثة ، الخارجة عن الضوابط ، مما دفع أغلب تلك الشخصيات إلى البحث عن خلاص ينتشلهن من حالة التخبط والضياع والاغتراب و الخواء العاطفي بعد أن اكتشفن – ولو متأخراً- أنهن كنَّ أسيرات وهم شاركت في صنعه بعض النماذج الذكورية التي تخفي الخديعة خلف شعار تحرير المرأة الذي ترفعه ، بحيث جاء رصد الرواية التي خطَّتها الكاتبة الفلسطينية لتلك النماذج – الأنثوية والذكورية- هادفاً إلى كشفها ، وتخطيها ، والاستفادة من دلالاتها .
ففي رواية
(بوصلة من أجل الشمس) لليانة بدر نطالع طالبة المعهد ذات الأنثوية الجامحة (جنان) الراغبة في تجاوز وصاية المجتمع نحو تأسيس مفاهيم جديدة ، لذا نجدها ترفض القوانين التي تحد من قدراتها ، وتُعَامل الجميعَ بطلاقة دون حذر أو حرص رغم علمها بانتقاداتهم ، حيث يعتبرون تصرفاتها خرقاء متطرفة ، لكنها لا تأبه بذلك متناسية أن ما تطالب به من تحرر مرهون بتحرر المجتمع كله بجنسيه من موروثات أصبحت هي القانون السائد ، كما في حديث مدير المعهد معها : "نحن في مجتمع متخلف نطمح فيه لجذب أكثر ما يمكن من الفتيات إلى معهدنا ، فكري في تطرف البنات المتحررات اللواتي ينسين أية سمعة سوف تطلق على المعهد" ، لكنها لا تلقى بالاً لنصائح المدير حيث اختطت لنفسها – وهي ابنة العامل البسيط- التعامل مع مستقبلها بطريقة تؤكد من خلالها انعتاقها ، بمعزل عن نصح الآخرين أو تهديدهم ، بحيث لا تشكل ردة فعل الآخرين أية قيمة ، فعندما تسألها الصحفيـة الأجنبية وسـط
لفيف من الطلبة والطالبات "هل تهتمين
بالعذرية ؟ كان جوابها صاعقاً لا ، إنها لا تهمني" .
ولعل هذا
التطرف يؤكد على أزمة مفهوم الحرية الفردية الذي اقتبس سلوك الغرب في العلاقة بين الجنسين ، دون تمييز ، فرغم الأحاديث الكثيرة التي تدور حول (جنان) عن التقدمية ، ومجتمع الثورة الجديد ، وتحرير المرأة ، تظل النظرة التقليدية المتوارثة التي لا ترى فيها إلا الأنثى العابثة في مجتمع ما زال يحافظ على جذوره وقيمه ، كما في حديث جنان : "الجميع يتحدثون عن الثورة ، وعن تحرير المرأة ، وعن انقلاب الموازين الطبقية في المجتمع القادم ، وأنا مثل الجميع أؤمن بما يطرحونه وأناقش الأفكار المنطقية ، ثم بدأت النظرات تبني حاجزاً بلورياً ، أعجز من أن يتبينه الحدس المباشر ، وارتعشت التماعة الشهوة على شفاه جدية عديدة، ومججت نظرات رفاقي ورفيقاتي حين شابهت تقطيبات أساتذتنا العجائز ، ليس التحرر إن زاد عن حده مقنعاً ، يقولون : تصادق علناً ولا تخاف أو تستحي" .
أما
(شهد) في الرواية نفسها فتتعرض لموقف مشابه ، فقد سحرت بمدرسها في المعهد (ماجد) الذي يشكل بالنسبة لها مثال المثقف ، العصري الذكي ، لتلبي بطيبة وحسن طوية ، دعوته لزيارة بيته ، لتكتشف خديعتها بمدرسها الذي تنحصر نظرته إليها في إطار الرغبة والشهوة ، فهو يحب المتحررات المجربات ، المنفتحات على الجميع ، اللواتي ينسجمن مع أية نوعية من الناس يقابلنها ، ويعرف نكهتهن الحريفة ، ليشدها إلى صدره ، مما يصيبها بصدمة تهزها ، وتحولها إلى صرخات متتابعة مختنقة، أعقبت فكاكها من يديه وفرارها محملة بالخيبة .
و في رواية
(عباد الشمس) لسحر خليفة تلتقي (سعدية) ـ التي تكد و تكدح بعد استشهاد زوجها ـ أثناء توقفها في أحد مقاهي تل أبيب ، انتظاراً لقبض أجرتها بخضرة المرأة التي جربت مرارة العيش والتشرد ، لتدور بعد فقدان الأرض والأم من خيمة إلى خيمة ، ومن دار لدار ، تعمل خادمة في البيوت في ظل أب لا يرحم ، يزوجها من رجل طاعن في السن يذيقها ألواناً من الضرب ، ويشاركه في ضربها أولاده ، لتهرب إلى زوج آخر بعمر أبيها ، يسمعها – رغم مرضه- الكلمات الحانية التي تجد قبولاً لديها : " صرت أطعمه ، وأسقيه ، واشتري له الدواء ، مسكين ، حنون، ولسانه حلو ، وما يناديني إلا خضرة يا ست الكل ، سمعني كلام عمري ما سمعته ، خضرة يا ست البنات ، خضرة يا مليحة ، يا حمالة الحمال ، كلامه بينزل على قلبي مثل السكر ، وأتمنى لو أسحب من دمي وأعطيه " .
تضطر (خضرة) التي لم
يعد لديها ما تخاف على فقده إلى بيع جسدها كي تشتري الدواء لزوجها الذي احترم إنسانيتها ومشاعرها ، دون أن تقيم وزناً للأعراف الاجتماعية كما في حديثها لسعدية : " والله أنا ما بخاف ولا من الله ، تل أبيب بطبلها وزمرها بحطها في قاعي وبقول ما شفت حدا " .
وعندما تُقتاد مع
(سعدية) إلى مخفر الشرطة في (تل أبيب) بتهمة المشاركة في سرقة الباص تتصدى خضرة للجندي ، ترفسه بين رجليه معرضة نفسها للأذى ، حيث علمتها الحياة أن لا حل إلا بالعنف والضرب : " الأب يضرب ، والزوج يضرب ، واليهود تضرب ، ضرب في ضرب ، لا والله ضرب اليهود أحسن ، على الأقل الواحد يحس أنه محترم ، بكرة أخرج ، وأقول اعتقلوني ، السجن للنسوان ، ولاد الكلب تشاطروا عليَّ ، وأنا واحدة ، وهم ثلاثة وأنا واحدة " .
غير أن كل ما تتعرض له من ضرب وإهانات ، وتحرشات لا يؤثر في
معنوياتها ، كل ما تخشاه أن يعلم زوجها – الذي يحبها- أنها في السجن .
"
دمعت عينا خضرة وأنَّت
:
-
إذا عرف المسكين أني في الحبس
تيجيه نوبة يروح فيها ، وما يظل إلي في الدنيا بني آدم يحبني ويسمعني كلمة حلوة .. الدنيا كلها شقا بشقا ، الدنيا باعتنا ، وما حدا اشترانا ، حتى أبوي باعني ، قبض المهر واشترى حنطور ، وأنا ببيع حالي ، وبشتري للمسكين دواء ، دنيا ما عليها أسف ، قتل وبهدلة ، وسرقة وتعريص " .
ورغم واقع خضرة المأساوي ، وشراستها المظهرية ، وانغماسها في
مستنقع الرذيلة ، و متاجرتها بجسدها وعدم مبالاتها بالقيم ، إلا أنها ما تزال تحتفظ في قلبها بجوانب من الطيبة التي تبدو في أكثر من موقف ، فهي ترفض الهرب من مخفر اليهود بمفردها عندما تتاح لها الفرصة ، كي لا تترك (سعدية) وحدها التي تلكأت في الهرب فأضاعت الفرصة، كذلك نراها تبدي تعاطفاً واضحاً مع مجموعة الفدائيين هاتفة في انفعال أمامهم : "روحي فداكم ، وأبوس تراب رجليكم " كذلك نجدها تخفي معرفتها بسعدية التي تجاهلتها في حمام البلد ، فلا تحكي قصة توقيفهما في المخفر أمام النسوة كي لا تعرضها للقيل والقال .

تدخل : عبد النور إدريس

 

الناقد المبدع زكي العيلة
لعل من بين الخصائص الجوهرية في الرواية النسائية وجود
الكتابة بالجسد كأحد الثيمات الاساسية.
كتابة الجسد
écrire le corps هي فعلا أحد المفاهيم الجديدة التي أصبحت تنافس الجسد-النصي le corps textuel .
فالمعجم الخاص بالجسد الانثوي ليس سوى تحديدات جسد
رومانسي حالم..أما الاعلان عن خاصية فيزيائية للجسد فتهذف بالاساس الى بناء الشخصية وقد تؤثر على سلوك المتلقي أيضا بالتفاعل معها بشكل من الاشكال ،منها : اعتبار اي منتوج الروائي لكاتبة ما .. سيرة ذاتية..ومنها ايضا بروز واضح لآلية الدفاع الذكورية.
يمكن القول ان
اي عضو من الجسد الرومانسي الحالم ومن خلال تكراره روائيا يصبح له وجودا نصيا ..وهي بذلك تكون وحدة سردية unité narrative تدخل في علاقة

Publié dans حوارات

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article