هتاف الجسد بين الحرية والتحررالج

Publié le par abdennour driss

 

الجزء الثالث

 

 

الفصل الثاني من كاتب (الكتابة النسائية ..حفرية في الأنساق الدالة..الأنوثة..الجسد ..الهوية..)

 

 

 

 

 

هُتاف الجسد

 

 

 

بين الحرّية والتحرر…

 

 

 

في السرد النسائي العربي

 

 

 

 

 

4 ـ 1 ـ  الأدبية :La litteraturnost.

 

هذه الخاصية التي تشكل في نظرنا فرادة الكتابة النسائية والتي جسدتها ليلى عثمان في نص الأرواح التي عمقته سيمون دي بوفواروضمَّنته كتابها (الجنس الآخر) حيث الرغبة في لمس "الإله" (تعانق)، (تلحس)، خطوة أولى لمعرفة واقعية السلطة الذكورية وطبيعة عملها وبالتالي محاولة اكتشاف ماديتها تقول "يشاهد لدى كثير من الورعات هذا الخلط بين الرجل والإله "(26).

 

ويشير محمد برادة لبلاغة هذا الاختلاف في إلتقاط الواقع من وجهة نظر الكاتبة المبدعة إلى أصالة وجدية هذه النظرة التي حملت انطلاقا من التفكير بجسدها لغة داخلية مايَزَت وجودها الواقعي والأدبي يقول:"إن الشرط الفيزيقي المادي للمرأة كجسد، هذا الوضع هو الذي يبرر أن نفترض وجود لغة داخل نصوص تكتبها المرأة"(27)، حيث حضور الأشكال التعبيرية كجروح حقيقية داخل النص الأدبي التي تتقيح به هذه النُدوب ليخرج صديدها سائحا أمام المتلقي يقول محمد برادة "لا أستطيع أن أكتب بدل المرأة، ولا أستطيع أن أكتب عن أشياء لا أعيشها، التمايز موجود على مستوى التميز الوجودي، أنا لا أستطيع أن أكتب بدل الرجل الأسود المضطهَد"(28).

 

4 ـ 2 ـ الإنجراحية:

 

إن الخاصية الأدبية الإنجراحية للنصوص النسائية تخترق الثنائيات الضدية التي واكبت صورة المرأة عبر العصور: المرأة/ الصمت تساوي الزوجة / الإيجاب، حيث أن الصمت يعني الإيجاب أما بالنسبة للثنائية التناقضية التي تهيكل  نصوص ليلى عثمان وخاصة مجموعتها (الرحيل)، قصة من ملف امرأة فإن هذه الثنائيات تصبح: الزوجة / لا صمت،إذ أن الزوجة بهذه القصة تشاكس رهانات العُري والافتتان والإغراء والاشتهاء داخل مؤسسة الزواج " فإن الذي يحدث في نص من ملف امرأة يجعل رتابة المعرفة تشهد انزياحا،إذ تحضر المرأة ذاتا راغبة في الرجل،ومشتهية لجسده"(29) .

 

أما الثنائية الحائرة بين علاقاتها التناقضية وعلاقاتها الاجتماعية، الزوجة / لا إيجاب وإذ هي داخل الفضاء السردي زوجة تأتي لا إيجابيتها  "حين يتم تركيب صورة للمرأة – الزوجة التي تطلب رجلا آخر غير زوجها ..وتشتهي جسد رجل آخر غير جسد زوجها " (30).

 

إن ما وَلج الرقابة على اعتباره خرقا أحدث خللا بالنسبة للذهنية الذكورية المتلقية يجب تبرئته في حدود مرافعة "الأدبية"على اعتبارأن "زنىالمتخَّيل"حلقة مفقودة كسرت انتظارية المتلقي وفق مقاييس من تاريخ النقد الأدبي قبل الكتابة النسائية.

 

أن النص الذي تقول فيه ليلى عثمان، قصة (من ملف امرأة) " هناك في "العشة" المقابلة شاب أسود العينين كحيل الطرف، فارع الطول. لو يضمني إليه لضعت نشوة وافتتانا".إنها هنا لم تتحدث فيه عن الفحولة بمفهومها الشهرياري وإنما كان النموذج "المانكاني" واضحا في معنى الضم والضياع من خلال اللمسة الواقعية التي تناقض تأليه اللمسة التي يجسدها الزوج بلغة القداسة، الزوج الذي تريد قتله معنويا بداخلها لتحطم عبره كل الأصنام التي حالت عائقا أمام انطلاقها وعطَّلت كينونتها لما مارست الانصياع للأعراف والتماثلات الاجتماعية.

 

إن مفهوم الحب يحمل لدى النسق الذكوري مفهوم أخلاقي سامي عذري يجعل القيم العاطفية ذات بعد أنطولوجي، أما الدلالة المعطاة للحب داخل النسق الأنثوي الذي تشكلت ملامحه النهائية عبر الأشكال السردية النسائية فهو مرئيات مغايرة ذات تجدر بلغة الجنس تخترق به التوصيف الحضاري الثقافي الذي خندقها ضمن ثنائيات الكل كان يعتقد بأزليتها: المرأة/ مثالية، المرأة/ ساقطة، "إنها تخرج شيئا فشيئا من صمتها، من قيمة النموذج وتُؤنسن فعلها"(31).

 

إن عمق الثنائية، النموذج المثالي/ النموذج الساقط يأخذ شكل التصور الذكوري المتسلط أكثر من الالتفات إلى واقع المرأة كما تتصوره ذاتا وذاكرة وإحساسا، فمن خلال طريقة الاستمتاع الجنسي فالرجل يبحث عن اللذة من خلال تشكي المرأة، أما المرأة فإنها تبحث عن اللذة من خلال ألمها الذاتي، هذه الثنائية المنهجية تُؤكد الأصل الرمزي لمفاهيم الأنوثة والذكورة " فما نود القيام به هو إبراز نمط مثالي من الفكر التناظري الذي لا يستطيع تصور الأنوثة إلا من خلال تقابل ثنائي منهجي، تبلور جزئياته ونتائجه السميولوجية في تقابله مع الذكورة"(32).

 

يتجلى بحث المرأة عن اللذة من خلال البوح بألمها الذاتي عن طريق الوظيفة التعبيرية باستعمال ضمير المتكلم (أنا) الذي يشكل الخصوصية الأدبية للكتابة النسائية حسب تعبير ت. تودوروف من حيث أن "موضوع العلم الأدبي ليس هو الأدب بل هو الأدبية*"(33).

 

             فإحالة الكاتبة إلى مركز ذاتها أدبيا يشخص التمركز الواقعي لأنَّوِيََّتَها في المجتمع التقليدي منذ الانفلات من الوأد الجاهلي إلى الأشكال المعاصرة للوأد الذي أقام الفصل المفتعل بين الجنسين بتوحيده المرجع الأيديولوجي المشترك بين الرجل والمرأة.

 

إن المرحلة التي تكتب فيها المرأة النص الأدبي بمنظار جسدها تستقي نزعتها من المرحلة الرومانسية في الأدب، لكن تبقى الخاصية المهيمنة على الكتابة النسائية هي حضور" الأنا " للإحالة إلى هوية دائمة الغياب لذى النقد الرجولي ومستعصية علية وبالتالي الخاصية الأدبية التي أسميها "استريبتيز الأدبي" الذي يشكل التعري واستعراض الجسد الشبقي الراقص والملتوي، من حرقة العشق وشهامته أمام القارئ، أهم محدداته التعبيرية.

 

إن المرأة الكاتبة كانت في حاجة إلى امتلاك فعل الكتابة وحسب التحليل العاملي لغريماس فهي تحتاج إلى الفاعل الإجرائي الذي يحقق لفاعل الحالة( المرأة الكاتبة) الاتصال بموضوعها (التحرر).

 

   هذا ما نلاحظه عند سيمون دي بوفوار مع جان بول سارتر (كفاعل إجرائي) و هيلويز في رسائلها لأبيلار.

 

 "ولهذا ليس غريبا أن نجد السمة للمرأة المبدعة في التاريخ العربي عامة ترتبط باسم رجل معين، فالخنساء عرفت بشعرها في رثاء الآخر (أخوها صخر) وولادة في علاقتها بابن زيدون، واعتماد الرميكية مع المعتمد بن عباد، وهذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد أن المرأة لا يقع التعريف بها في ذاتها وإنما في علاقتها بالآخر " (34).

 

إن استراتيجية الكتابة النسائية انطلاقا من الوعي الثقافي بها كإشكالية مطروحة على النقد الحديث ومن خلال ترصدي لبعض الخصائص المميزة له كظاهرة أدبية ذات خصوصية من حيث الطرح الموضوعاتي لا يضع الأديبات في مرتبة أقل من الرجل بل إن التفرد الذي تمتاز به الكاتبة في خلقها للغتها الخاصة رغم أن اللغة التي تكتب بها غير محايدة وتُركز العلاقة الصراعية الأزلية بين الرجل والمرأة عبر العصور وتؤرخ لإشارات الخصاء التي تُفرض كرقابة طوطمية للسيطرة على النساء، فحسب تعبير رولان بارت" إن تصغير النص إلى مجرد وحدة معنى عن طريق أحادية يعني القيام برسم إشارة الخصي".

 

 

   

 

هوامش الفصل الثاني    الجزء الثالث

 

 

26- سيمون دي بوفوار، - الجنس الآخر- ترجمة:محمد علي شرف الدين، المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، بيروت، 1979،ص:207.

 

27- محمد برادة ،مجلة آفاق العدد 12، أكتوبر 1983 ص: 135.

 

28- نفس المرجع السابق ص: 135.

 

29- في ضيافة الرقابة ،نفس المرجع السابق ص:44-45.

 

30- نفس المرجع السابق ص:45.

 

31- نفس المرجع السابق ص:85.

 

32- بيير غيرو، مجلة علامات ،سيميولوجية الأنوثة ، ترجمة محمد الرضواني العدد:20،سنة 2003، ص:118.

 

 -Tzvetan Toderov, théorie de la littérature, Edit :seuil, 1956,p :37 -*la litteraturnost-

 

34- رشيدة بن مسعود ، المرأة والكتابة ، سؤال الخصوصية /بلاغة الاختلاف،  ص:19.

 

 

هذا الفصل نشر إلكترونيا بموقع الأستاذ محمد أسليم

 

 

http://www.aslimnet.net/div/2005/d_abdenour6.htm

 

 

 

 

 

Publié dans نـقـد

Commenter cet article