كبرياء الحي الشبقي

Publié le par abdennour driss

كبرياء الحي الشبّقي...

 

 مصابيح المولد الكهربائي ما زالت في نزعها الأخير، الحي يستعد للنوم زمرة من الشباب المتعلم تجتمع لتكرر حديثها عن الغواني وتحتفل... تمدد الليل مع أحرف الهجاء ..الريح بدأت طفلا خريفيا يوسع الأفق .. كان الزمن فارغا .. هذه الريح جثة شرسة ترعرعت في كبرياء الجفاف ، تتناغم فيها الأشياء بالصهيل المستعمل من صدإ الفصول..

 

المحظورات متعددة لمن ينقر بلاغة الأبواب ويكتشف طلسم الفتح وصرير الأقفال" اِفتح يا ممنوع الدّوُقَّّان " ...

 

البيوت التي تحترق كثيرة.. الاحتراق الذي يجعل السيجارة تنتهي دون رماد.. يجعل من ازداد في بئر الشبق لا بد له من استنشاق الهواء المُدرج بفيض الهذيان...

 

الليل يعشش، سرمدي طويل في ملامح مدرس القرية، الأسمر لونه في لون السمك المقلي، من نفسه تحتل خريطة الناس بقعا من الضوء تتفرج على سوق البغاء، المسافة التي تفصله عن حلمه تتجه إلى الوراء، اللحظة الحمراء المرتقبة مليئة بأساليب الإعجاب،  بالسلطة الأسطورية لفتوحات.. هارون الرشيد.. مليئة بالفائض الفاحش من الرقص والغناء..

 

الزجاج الأخضر المكسر أصبح آلة لبسط طاقة الفارس الدونكيشوطي على الطواحين ..أصبح سيفا يفرغ في العشق زمن العنف وتمزيق الإزار...

 

دخل متسللا إلى مشاهد الرقص ، حفلة أمازيغية يقيمها الصحاب على شرف كتابة الجسد المتراكم في ملف تقاليد القبيلة ، عنف اللحظة فضح عينيه بالحب، تحدث عن (دا...)مع (يطو شان)التي رفع الزمن رتبتها في سوق الماخور...

 

لم ينتظر الجواب ، دلف إلى الحجرة المنبعث منها رنين الاحتفال .. يلاحق مسامعه صوتها الذكوري الخشن المبحوح..

 

ـ أرجوك ، اِ هدأ يا (مومو) لتكن مستكينا إلى هواجسك.. الرحلة قد تنتهي بين دراعيك..

 

 بدا وجهه باردا، جافا يحتل كل الصورة، لحظة.. ثم انخرط في الرقص المصقول.. الأغنية تتلوى على طقوس الجسد المخمور بتفاصيل الإيقاع ..هذا الاحتفال يمشي باهتا يحمل وجه الغرابة.. ويحترق وسط الأرقام.. يضيع بين خيوط الذكريات التي أحالتها بحلقة العيون البيضاء من الليل إلى قناع صامت مشلول الحيوية والانبلاج.

 

الربيع لا ينتفض من تحت قدميه، لقد أصبح فارس البَيْد ر بدون منازع هكذا كان يجري كي يبقى في مكانه..إيقاع الجسد (الآن) يموت...

 

.. بدد ملاحظاته نحو مهرجان الأجساد الملتهبة..اللاهتة والعرقى أمامه.. المتعرية من عيون الأعراف والتقاليد، رسم لحظة الصمت على وجوه الصحاب.. وجوههم تكبر وتصغر في عينيه.. نفس المشاهد التي أعياها الحضور بمراجعه المدرسية تريد تكرار الحكي عن شهرزاد ألف ليلة وليلة...

 

    تعكر جوّ التأمل الذي يحيط باللحظات الوحشية التي يرسمها دائما على شفتي (دامية)..

 

أرخى الستار على راحة الطفولة ثم سحب سلاح الحكاية في لفظها المعسول حتّى عادت عُملة للمقايضة تساوي قائمة الملفات القديمة التي تعرضت لآثار آدم وحواء...

 

    صاح زميله في وجه الكأس الذي وصفوه له بكأس عتبة الزواج الذي أطاح برؤوس العزاب.

 

وكان هو يردد بصوت مارس انسلا له الدائم نحو بياضات الصمت..

 

ـ هات ..أأ..يا صاحب دامية حديثك..أأ..الذي يقتات من فعل الزنى..أأ.. الحكاية نصف عارية..أأ..سأسمعها، سأتفرج عليها ولو كلّفني ذلك حياتي..ها ها ها ... سيقول عنها الغاوون في الصباح أنها " لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر".

 

    التصفيقات تتسكع على المسامع، نظر باشمئزاز إلى المتحدّث وغمغم..

 

ـ يتكلم كأنه بقُّ الليل.. أحسن شيء سأقوله هو أن لاأقول شيئا ..إذا تحدث ثانية سأطلق (النار) على روحه التافهة..لا ..لا.. مالي أعشق الأشياء التافهة.. دعه يلوك الاسطوانات..المهم أن الصبح لم يرتع الرحيق بعد والنحل يُعْسِل في الكمان..الكما.....ن

 

ـ إيه يا خونا.. لماذا أنت شارد هكذا.. أأ...

 

ـ شيء رأيته وسمعته ولا أقدر أن أفضحه ، فأموت أو تموت..

 

ـ هيه..أأ.. يعني هذا أنك إذا حكيت فأنت ميّت ..أأ.. وإن لم تحكي فهي ميِّتة ها..ها..ها...

 

ـ .....(صمت).

 

ـ استسمح..أستسمح..كنت..كنت فقط..أأ اعتقد أنك..لا..لا.. لا يهم يجب أن تحتفل معنا ...ابدأ بفتح هذه الزجاجة..

 

ومدّ له قنينة خمر..اغتال الليل بكارتها المُهترئة على العتبات..

 

الخمر..!!؟ الخمـ.........ر

 

ثم عاد إلى نفسه..

 

ـ عن أية خمر يتحدث هذا المجنون.. أعن الخمر التي تشاركنا المصروف اليومي والفراش..أم التي تشاركنا العاطفة والتفكير..إنها مدرسة للعنف..يجب..يجب أن نسقطها من حساب الغد قبل أن تحيلنا إلى أشخاص لا هوية لهم.. سهل ذلك ما دامت خمرتنا في طفولتها..

 

    كعادته، واصل كلامه المختزل عن الخمر، الحب، اللذة..و..دامية ..عن الجسد الممنوع الآلف للمتناقضات..والرغبة المُلتفِعَة  بالجنس التي تحمل نقيضها.. التآمر على الذات ومهادنتها...

 

أما هي فكانت واقفة كالسنبلة...السنبلة التي امتلأت حَبّا وحُبّا وانحنت لتمارس عبادتها في صمت .. قد جرّها حرف الخَزِّ منذ ربيعها الثالث عشر..بلّلت منديلها دمعا بالعطر الفاجر.. أملى عليها واجب الرغيف والأسرة التي يرتعش الذل في يديها..أن تتلوى شهوة مزيفة لتهزم فراغ الصحن وارتعاشات السوق الأخرس..

 

هي الآن ، تصدح بنغمة شاردة تكتهل جنون الألم على وقع البندير والكمان..

 

اِقِّمَ وُول جاجْ نِغزدِسانْ..اِحبَسْ

 

اِرَ أدِيَفْراوْ.. أورِِ قْْديرْ ..اِقِّمَ ابْدا دايَتْرُو اِدَمَّنْ *

 

    إنها لم تكن لتختار ..ليستقر رعبها في ضيافة الغرباء.. تبدو كل الأدوار حولها أدوار بالية في زرقة الفجر تلُفُّها التفاهة في الشكل ومعنى الوجود...

 

* الشعر من عندي:ترجمته..

 

بقي القلب داخل القفص الصدري ..حبيسه..

 

يرجو الفرار ..ما قدر..إنه أبدا يبكي بالدم.. 

 

في خنيفرة - نشرت في جريدة بيان اليوم

 

بتاريخ 30/11/1993 - عدد:859

 

 

 

Publié dans سـرد

Commenter cet article