أزمة المرأة-تابع2

Publié le par abdennour driss

المرأة تعيش أزمتها في الميتافيزيقا (تابع)

عبد النور إدريس

حاوره الصحفي عبد المجيد بوشنفى

سؤال: استسمح مقاطعتك ، في نفس الكتاب  نحثث مصطلحا جديدا أسميته " اليَوْمُولوجيا" وقد أدرجت في تعريفه بهوامش المقدمة أنك تعني به علم الحياة اليومية المتخيلة داخل الرواية؟ .

 جواب : سؤال انتظرته طويلا كي أوضح البناء المفاهيمي خاصة وأن نفاذ الطبعة الأولى أعزوه شخصيا إلى الجدل الذي تركه هذا المصطلح بالأوساط الأدبية والطلابية على الخصوص - وبالمناسبة أريد أن اشكر السادة والسيدات المتلقين والمتلقيات بالجامعة الشعبية بمكناس المسجلون في مادة علم الاجتماع، كما أشكر الجمعيات النسائية والشبيبية بمدينة الحاجب على الثقة التي وضعوها في هذا الكتاب وعلى استفساراتهم القيمة حول مصطلح " اليَوْمُولوجيا"–  لقد واكب هذا المصطلح  العديد من التساؤلات النظرية حول اليومي من مثل:

 -                  هل أخذت الفلسفة شرعيتها الأولى من اليومي اليوناني ،أم من أصل المعاني ؟ -                  هل ما يزال اليومي العميق يسكننا ويتنفس في وعينا ؟

 -                  هل يستمر اليومي ضمن الروائي مُدركا على الدوام في مفاهيمنا؟

 -   هل واكب الفلسفي والروائي كطرح " الآن" و"هنا" الانفجار المعلوماتي لأصل المعاني؟.

 -    وهل أعطى هذا التوافد المهول للمعاني لليومي قابليته لأن يُدرك ؟

 إن التفكير في اليومي عن طريق الروائي يجعل من الرواية علما للحياة اليومية،" يَوْمولوجيا " نتجت عن تراكمات الرؤية الفنية للواقع والدخول في محاكاته حيث ينفعل اليومي بموضوعيته فينتشر أو ينغلق فيصبح ضد نفسه ، ضد راهنيته فيشكل" سيميولوجيا للحياة اليومية ".

              إن اليومي يتجه إلى التحول من قبضة الراهن إلى تقليد ذاته داخل نسق تراث من المفاهيم وهي غالبا مفاهيم تتحرك ضد الأرضنة اليونانية للمفاهيم مشبعة بالإشكاليات.

 إن الأشياء في الفلسفة تتحول إلى جواهر ولهذا تتمكن الأشياء المفارقة في اليومي من ارتداء ثياب لامعة في الروائي وتأخذ شكل صفقات عقلية في الفلسفي.

 لقد أنتج الروائيون على امتداد مدارسهم الأدبية صيغة تكاد تكون متشابهة داخل رواياتهم وهي كلها تحكمها نفس متواليات الأفعال والأحداث ذات فصول متقطعة تصبح قائمة على حساب الأنساق الأكثر أهمية بالنسبة للمتلقي.

 سؤال: قبل الاسترسال في الجواب أريد منك أن تحدد الخلفية النظرية لهذا العلم" اليومولوجيا" ؟

 جواب:  إذا كانت لليومي قابلية لأن يصبح جزءا من رواية وتكون من جراء ذلك فكرا فلسفيا حول اليومي فما الرواية سوى ترجمة لما يعيشه اليومي فلسفيا بغير أن يُدرك ، ولهذا كانت الرواية قادرة على جعل الممارسة الفلسفية من ضمن انشغالات اليومي.

 وإذا كان واقع الحياة اليومية بالرواية يلح على فهمنا من حيث أن اليومي بالرواية يقدم نفسه كواقع يفهمه المتلقي باعتباره عالما يشكل نموذجا لفضح  اليومي على مستوى الواقع الاجتماعي.

 أما الخلفية الفلسفية لهذا "العلم" فإنني كباحث اجتماعي فإنني ترصدت هذا اليومي بالرواية (خاصة الرواية النسائية) فجعلته مادة للبحث حيث تقدم الروايات نفسها للوعي الثقافي على أنها مكونات حقيقية تستسيغ الواقع في أشكاله الجامدة ، الرواية تشكل صدمة للمتلقي في تنشيطها لحياة يومية تفرض نفسها على الوعي السوسيولوجي بشكل منظم.

 وقد لا يشكل اليوم الروائي ضرورة في حياة المتلقي ، لكن عندما يخضعه المبدع  للتأمل المنطقي الدي يوجد في وعي كل متلقي بوصفه حقيقة على اعتبار أن التجربة الإبداعية تتداخل مع التجربة الحياتية – الشخصية والتي تصبح بدورها إنسانية.

 سؤال:  ان توظيفك لعلم الاجتماع قد أفاد الأدب وأغناه من حيث معالجتك  لقضايا شعرية وروائية ومن حيث إبداعك لمصطلح اليومولوجيا وهل ترى في هدا التوظيف ترتيبا لمعنى الأدب المغربي وجعل المتخيل الأدبي يحقق نوعا من المنطقية

جواب: للتذكير فقط لقد نحثث مصطلحا آخر بكتابي الأول وقليل من انتبه إلى ذلك وهو مصطلح الإستربتيز الأدبي" Littéraire "strip-tease"

  وأعني به داخل الكتابة النسائية ، التعري أمام المتلقي حيث المبدعة تكتب بجسدها فالمرأة تكتب لتغلف جسدها وتجعله هامشا ينفلت من الشَّهوية لتعطي للنص المكتوب لذته الشبقية فوق الجسد السافر، وتستعيد تحررها عبر دفع الرجل إلى الإنصات إلى جسد الكتابة وتعرض الجسد الأنثوي للانمحاء داخل فضاء رمزي لا يتميز بالحركة ، المرأة تكتب مباشرة على جسدها،  تعطي عناية خاصة لفتحات جسدها فينتشر الإغراء على ما هو غير أنثوي كما يقول جان بودريار و قد تكتب الأنثى عن طريق الوشم لتجعل جسدها ممتلئا بالرموز، كما تكتب بالرقص وهو لعبة هندسية وضعها د.عبد الكبير الخطيبي مقابل التعبير اللغوي حيث اعتبر الوجود الراقص هو حد نظري للغة ،  فالجسد الراقص  يكتب الكلام ويحطمه، يجرد من الفضاء هندسة دقيقة ومتعددة الأصوات، إنه زوبعة القوانين.

 سؤال:  نحن نعيش على ذكرى الأحداث الأليمة كلما هلّ علينا شهر ماي من كل سنة ./احداث 16 ماي/ و هذا الحدث قد أثر بشكل عميق على كل المغاربة الذين يشجبون هذه الممارسات من قبل جماعة لا تهمها مصلحة الوطن ما هي في نظرك القراءة السوسيولوجية لهذا الحدث ؟

 جواب: إن أحداث 16 ماي الأليمة وغيرها التي مست العديد من البلدان لا معنى لها في فلسفة الاختلاف ، أما مقاربتي للموضوع فسترتكز على استجلاء منظومة الإرهابي بما هو شر يمارس عملية إنكار شاملة للقيم من حيث أن كل الشواهد القائمة تحيلنا إلى اعتبار الكائن البشري نزوع وحنين مستمر إلى السكينة المطلقة مع ذاته والأشياء المحيطة به، لكن مع الاسف إن الازدواج الميتافيزيقي القائم بين الخير والشر يضع بين أيدينا مع البداية إمكانية تواجد أسلوبين متناقضين لتفسير مواقفنا الشخصية حول العالم.

 الأسلوب الأول: يأخذ بمنظومة الخير وهو أسلوب يميل إلى الأخذ بنسق التفاؤل.

 الأسلوب الثاني: يرتكز على منظومة الشر وهو أقرب إلى التسليم بفلسفة التشاؤم،فإرادة الشر هاته وقد تنهل من مفهوم الكراهية أكثر مما تتخذ من الإرادة الشريرة موقفا حول العالم فالكراهية تتجه نحو الذات في ارتباطها علائقيا بالآخر بقصد إنكاره أو نفيه أو سلبه ،لهذه كانت كراهية الإرهابي تعني إرادة عدم وجود الآخر أي تريده "لا موجودا" ، فماهية الكراهية هنا تنزع نحو العدم وهي في صميم تواجدها سلبا أو نفيا أو إنكارا.

 إن الإرهابي جلاد يمارس الكراهية كعبادة، يعمل على استمرار بقاء ضحيته وعدم وجودها في آن واحد وفي هذا التناقض النفسي نرى ان الإرهابي في قرار نفسه يريد وجود ما يعمل على محوه .. وعند إسقاطه الكراهية على المجتمع كله " تكفيره" وكرهه يبقى الإرهابي إرادة شريرة وجب على الإرادة الخيرة أن تقضي على آثار وجود خصمها ما دام هذا الخصم قد وُجد، بمعنى انطلاقا من القسوة التي تحدد معالمه ولا يرى جوهر وجود الآخر أي لا يقر ولا يحسن فهم الداخل.

 سؤال :  ماهي الحالات النفسية التي يمكن للإرهابي أن يعيشها على مستوى الواقع؟

 جواب: بالطبع  يعيش الإرهابي مركبات نقص عديدة تُبين عن ضعف قدراته في تشكيل توافق نفسي مع الواقع ،فالإرهابي يرتكز على مجموعة من القرارات السطحية لما يعتقده أساسي في تواجده ويضع تأويلاته الهامشية هاته كمقياس لمعرفة التأويلات الظاهرية لسلوك الآخر، لهذا كان حكم الإرهابي على الآخر مشمول بالنظرة الضيقة والحكم السطحي العابر، فالكراهية لا حواس لها فهي تلك الوحدة الباردة التي لا يستطيع صاحبها أن يحيى في أي مدينة عقلية ، لهذا كان الإرهاب عدما من أي وجود فعلي يكفيه للترعرع والنمو من قبل إرادتنا وجود" الإرادة الشريرة" .

 سؤال: ما هو في نظرك مصدر الإرهاب بشكل عام؟

 جواب: لقد طلبت منّي مقاربة سوسيولوجية لهذه الظاهرة ففضلت في هذا الباب إعطاء مقاربة نفسية للموضوع لأنني أجدها قريبة من تشخيص الوضعية وسبر أغوارها ولأعود إلى سؤالك الوجيه أرى أن مصدر الإرهاب قد يكون " الذات" التي تكون أمام يأس نفساني منبعه عجز الأنا عن تحقيق أي نوع من أنواع التوافق بين وضعيتها الحالية وما تريد الوصول إليه، إذ أن كل ذات لها نزوع فردي نحو " مثل أعلى" تسعى إليه وقد تصل الهوة بين " الأنا " و " الذات " العليا مُتسعا يزكي التمزق الباطني الذي يصيب الأنا بالقلق واليأس، هذا اليأس سمي من طرف علماء النفس " باليأس الانتحاري" الذي تكمن من ورائه " إرادة الموت " وهي التي تجعل الجلاد " المنتحر" يتعلق بضحيته لحمله معه إلى المستقبل " المفتوح" .

 وقد يكون مصدر الإرهاب هو الآخرون حيث أن التعلق بالمثل الأعلى كثيرا ما يقترن بشخصية ما تاريخية  على أساس تجسيد هذه الشخصية للقيم التي يؤمن بها الإرهابي ، فانهيار ما قامت عليه تلك الشخصية من نموذج أخلاقي قد يحمل في طياته لدى الإرهابي شكا مطلقا في قيمة الأخلاق، يفقد معها " الإرهابي المخدوع" كل إيمانه بقيم مجتمعه مع وضع صورة سوداء لأخلاقيات الناس على محك الواقع ، ولا شك أن مصدر هذا الإرهاب قد يكون أخطر على حياتنا لمّا تُؤسس النظرة الإرهابية على الاقتداء" بنموذج شخصي" ، أرجو أن أكون قد رسمت نوعا ما شخصية هذا الكائن على المستوى النفسي .

 سؤال: والمقاربة الأخرى؟

 جواب: لما نسائل الأسباب من خلال وضعنا الاجتماعي والسياسي الراهن ويكون الجواب يتمركز حول تفتح المغرب على الأشكال الديمقراطية والانخراط في فلسفة التربية على التسامح ونبذ العنف نجد أن أسباب أخرى هيكلية كالبطالة والفقر ، الجهل والإقصاء كانت وراء ما حدث ، لهذا أرى أنه آن الأوان كي نجد صيغة مثلى لتفتيت العلاقة المضطربة بين التأمل العقلي للمجتمع والتأمل الديني لقضاياه .

 سؤال : وما هو تشخيصك لوضعية الثقافة ببلادنا ؟

 جواب: الثقافة ببلادنا تحتاج إلى اهتمام  البحث الاجتماعي من حيث البحث في سوسيولوجية القارئ الذي أراه هو قطب الرحى للنهوض بالثقافة على الوجه الأكمل.

 سؤال: ما موقفك من وظيفة اتحاد كتاب المغرب؟

 جواب : مؤسسة ثقافية بالمغرب على عاتقها النهوض بهذا القطاع وتنشيط هذا الحقل بمزجه بباقي الحقول المعرفية الأخرى وأضن أن الأستاذ عبد الحميد عقار له من الإمكانيات ما يجعل هذه المؤسسة قائمة على السكة الثقافية بالمغرب

فأما لحد الساعة لم أقدم طلب انخراطي في هذه المؤسسة العتيدة..وسأفعل مستقبلا

سؤال :  جديدك؟

 

جواب : أشتغل الآن على تجميع قصصي القصيرة " أنيث الفحولة " وهي ستصدر خلال هذه السنة 2005 ، كما أشتغل على ترجمة كتاب أفول الأصنام لفريدريك نيتشه  هذا بالإضافة إلى كتاب آخر سيتحدث عن ميثولوجيا المحظور وآليات الخطاب الديني وخاصة تفكيك علاقة المرأة بهذا الخطاب الذي يجتزئ النصوص الدينية  من سياقاتها نحو تأويل يخدم المركزية الذكورية.

 

 

سؤال : إلى من ستهدي كتابك الجديد" ميثولوجيا المقدس والمدنس".؟

 

جواب: (يبتسم) إلى كل فراشة تستطيع أن تحلم..

 

سؤال: كيف ذلك الأستاذ عبد النور؟ ولماذا التحرير الثقافي للمرأة؟

 

جواب:لقد نصّبت اهتمامي محررا ثقافيا للمرأة ، وقد هالني اكتشاف أنني فقط كنت أعمل على تحرير امرأة أحلامي من "غطرستي" التي ورثتها عن قبيلتي "الجاهلية" ..لقد حاولت أن أكتشف المرأة من خلال إحراق قاموس الفحولة ..قاموس العبودية..عبوديتي وهكذا رغبت في إعطاء مساحة كبرى لكلمة " أنثى" لكلمة "فراشة

Publié dans حوارات

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article