ورثة الانتظار

Publié le par abdennour driss

 

ورثة الانتظار..

 

بقلم : عبد النور إدريس

 

 

 

تجهله مرآة الصباح لم يتعرف على وجهه الحزين ..لم يبكي على أحد منذ زمان .. وهو اليوم يتفجر فيه إحساس عارم بالبكاء ..يخنق فيه امتداد النظر ..تكسرت تحت راحتيه المدينة المحنطة التي يسكنها ..كان يقف كلما مرت أمامه جنازة .. وعندما يرفع الشهادة أمامها تأتيه الرغبة في أن يصبح مصورا هاويا لكل الجنازات التي تحتفل بها مدينته  ..أن يقيم لها معرضا بالمدفن المهجور .. كان يحس أنه ينتظر دوره الذي ينام مع حظه العاثر في كل كؤوس الشاي التي تَشربُه..

 

 ..لقد مل من انتظار الآتي الذي لا يأتي..

 

منذ أن دخل إلى المصلحة ملأ استمارة الدخول إلى سيادة المدير .. في البدء كان يريد أن يتملى بطلعة سيادته البهية ويقدم فروض الطاعة والولاء.. وهو الآن ما زال ينتظر الرد الشريف.. وقد ازدحم الزمن على مشارف الطريق .. ولم يعد لموضوع  المقابلة السابق معنى ..

 

يأتي يوميا لتفقد الرد بمقابلة معاليه و باسمرار يجلس في قاعة الانتظار له مكان مألوف  يراقب من خلاله الجرس الذي يأمره بالخروج من قاعة الانتظار ..

 

أحيانا تكون القاعة غاصة بالمنتظرين يقرؤون في وجوه بعضهم صدأ تلك اللحظات ويستريحون في أعين ساهمة تقرا بعضها  ..

 

كان دائما يتساءل عن عدم وجود النساء بقاعة الانتظار تلك ...

 

أين توجد قاعة انتظار النساء ؟

 

...ما معنى وجود تلك المرآة المحاذية لباب سيادة المدير.

 

أحيانا يخون الضجر الجالسين على الكراسي الخشبية الصماء ، يتململون يمينا وشمالا فتنتفض رائحة عرق بليد تزكم أنوف المكان..

 

كان حتى من حالفه الحظ ووقف أمام جلالة السيد المدير يحس كأنه ما يزال  بقاعة الانتظار..

 

عندما يتحدث الداخل إليه ويعرض بضاعته الشرعية يفرقع السيد المدير أضلاعه ويطرد رائحة الواقف بالرش من عطره الثمين..

 

وحده العطر من كان يحظى باستقبال سعادة المدير..

 

وحده الأكسجين من كان يدخل إلى رئة معاليه بدون واسطة..

 

لم يكن سيادته يسمح للشاي أن يدخل عليه ..

 

قبل أن يقدم القهوة هدية للسدة العالية..

 

لم يكن يسمح للشاويش أن يدخل من الباب حتى ينظر إلى المرآة و يضع وجهه بقاعة الانتظار..

 

ولم يكن يرضى أن تدخل عليه ابنته حتى تأتي به كوَلِي أمرها..

 

مرة سمع من خلسة عينيه وهو يضع كأس الشاي على المكتب ..وفي غفلة السيد المدير المستدير بوجهه نحو الحائط .. همسا لطيفا كأنه صادر من حنجرة مغني افترسته الألحان عند آخر الليل.

 

إنني ما زلت أنتظر رد معاليه على طلبي..نعم..نعم..بالطبع ..بالطبع سيدي ..لقد ملأت استمارة الدخول..شكرا .. شكرا ..أنا في الانتظار..

 

خرج الشاويش للمنتظرين بقاعة الانتظار وطمأن الحضور بأن سيادته موجود وهو الآن في مكالمة هاتفية مهمة..

 

 

 

مكناس في 16/07/2005

 

Publié dans سـرد

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article