ماهية الكتابة النسائية

Publié le par abdennour driss

 

ماهية الكتابة النسائية

 

بقلم عبد النور إدريس

 

 

إن البحث في مسألة الكتابة النسائية يعتبر حقلا دلاليا محملا بالتناقضات عند بعض الباحثين ، من حيث التنوع المفهومي الذي يحيل علية أولا مصطلح " الكتابة" ثانيا "النسائية"، ومن حيث أن الجمع بين المصطلحين يحقق للمرأة كتابة خاصة بها الشيء الذي يحيل على أن كتابة المرأة لها خصوصية ما تنفرد بها عن كتابة الرجل.

 

إن التقابل الجنساني بين المذكر والمؤنث استهلك كل الأدوار التي حددت الكلمات والأشياء داخل المنظومة الاجتماعية والتي أبرزت احترام الصف الأول للأنثى داخل المنتوج التخيُّلي للذكر منذ غابر الأزمان، حيث دوَّن مخيال الفحولة تراكم النظرة الذكورية للمرأة كمحرك للإبداع والكتابة، شعرا ونثرا.

 

إن الكتابة النسائية كطرح تحيل الباحث على مقاربة حقيقة ما تكتبه المرأة عن الرجل بينما نجد أن ما يكتبه الرجل عن المرأة قد استهلك الكثيرمن الحبر حتى تحددت بصفة شبه نهائية ملامحه التي لاتخرج عن نسقية نصية ذكورية واضحة المعالم،"فالقول بكتابة إبداعية نسائية تمتلك هويتها وملامحها الخاصة يفضي إلى واحد من حكمين : إما كتابة ذكورية تمتلك مثل هذه الهوية وهذه الخصوصية وهو ما يردها بدورها إلى الفئوية الجنسية فلا تعود صالحة كمقياس ومركز، وإما كتابة بلا خصوصية جنسية ذكورية، أي كتابة بالإطلاق كتابة خارج الفئوية، مما يسقط الجنس كمعيار صالح للتمييز إلى ذكوري ونسائي " (1)

 

 

تساؤلات لابد منها:

 

  - هل تكتب المرأة بنفس الخط السردي للرجل ؟

 

  - هل تتطرق بنفس الشحنات الإبداعية من حيث العوالم التخييلية لنفس المواضيع التي يتطرق إليها الرجل؟.

 

  - هل تستعمل المرأة نفس سلوكيات الكتابة الرجالية عن وعي بحدودها أو بدون وعي؟.

 

  - ما هي مجالات الجدة في الطرح الشكلي النصي  لممارسات المرأة الكتابية ؟.

 

 -  ما هي حدود اختلاف معاناتها الإبداعية بالمقارنة والرجل؟

 

  - ما هو تماثل التلقي بالنسبة لكتابات المرأة لدى المتلقي الذكر ، والمتلقية الأنثى؟ .

 

 - ما مدى ابتعاد النص الإبداعي للمرأة عن التراكمات الذكورية بأسلوبها، بنظرتها المشبعة بثقافة ذكورية شكلت ملامحها التعليمية ؟.

 

وقد نتساءل مع محمد نور الدين أفاية عن خصائص اللغة النسائية وتشكيل القالب البَدائلي الذي يميز هذه الكتابة ويحقق تميّزها يقول:" إلى أي حد تمكًّن الخطاب التحرري النسائي من صياغة ملامحه وتحديد بدائله؟. وهل اللغة والخطاب يسعفان استراتيجيا، هذه العملية الشاملة والجدرية في الصياغة؟" (2)

 

حدود التساؤل:

 

إن الإجابة على هذه التساؤلات لا تعكسها قوة الجواب بقدر ما تكمن قوتها في حدود التساؤل وملء فضاء الإشكالية بإثارة الاهتمام ،إذ في احتراق الأسئلة توهج المسكوت  عنه ...تسامي المُضْمر ... انبلاج ظلمة المُهمَّش ... وحضور المقصي..

 

 من خلال الكتابة النسائية لا بد للباحث أن يُلامس مرئيات مفاهيمية تتعلق بالأنوثة والجسد والهوية في علاقته بما هو جنسي وسلطوي  وتسلّطي... فمن خلال أدب المرأة يتم تحديد علاقة الجسد بالإبداع نحو التشكيل الخاص بهوية المؤنث الذي استند في حضوره داخل النسق الثقافي العربي على خطاب مزدوج يحدد الأنثى كموضوع ضمن "موضوع"، فالأنثى ثيمة  للقريض والسرد، يحمِّلها الأدبي صوتها اتجاه المواضيع المحيطة بها وخاصة علاقتها الغرامية في اتجاه "الآخر"، أو يتناول قضاياها كموضوع لاشك أن التطرق له سيحرك أشكال مقاومة لاشعورية تكبح جماح البحث في ثنايا موضوع المرأة ،" فكلما تطرقنا إلى هذا الموضوع،لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من التخوف من ردود الفعل عند الآخرين" (3)

 

فهذا الطرح الافتراضي للدكتورة نادية العشيري يعمّق صدمة المنطق الذكوري من أوهام أيديولوجية البُعد الواحد،الذي حافظ على  تماسكه بالحراسة الأسطورية والدينية لقِيَمِه، ومنعه للآخر من الاقتراب من بؤرة المعنى لاقتناص المتعدد والمتشظّي الذي يحمل في طيّاته ديمومة الاختلاف ومشروعية الأنثى في الحضور كذات وكينونة.

 

 فبعد أن كانت الكلمات تطرق باب المرأة وهي وراء أسْيجة العادات والتقاليد أصبحت تُصدِّر وترسل كلماتها لطرق أبواب " الآخرين" وما زالت تفاصيل هذه الكلمات تُلامس جوهر حصار الماضي الخبيث لها ..وهي  الآن ...وهنا... تمارس في فوضى الدلالات ترتيبا لأبجدية الفحولة ، تكتب في فَوْضَا (نَـ)ــا ما يحقق للهامش قوة الانطلاق .. يباغث المركز بوضع الاهتزازات تحت سِماطه...إن المرأة دوما كموضوع في قصيدة أو كشاعرة داهمت قصيدة الشطرين بالتفجير (نازك الملائكة) أو كساردة تحررت من غُربة الافتتان بنرجسيتها ...تشاكس الافتراضات اللامحدودة لمداهمة المألوف الذي ما فتئ يجعل من الذاكرة سبيلا للتعايش مع الحاضر..

 

النقد والمصطلح:

 

 لقد ناقشت د.زهور گرام مصطلح"الكتابة النسائية"من خلال"الأسباب المحتملة وراء ظهور هذا المصطلح في السياق الثقافي العربي المعاصر" (4)

 

،وقد خلصت إلى اعتبار الأسباب الثاوية وراء هذه الكتابة إلى" فهم الكتابة عند المرأة باعتبارها واجهة تحررية من التصورات السائدة" (5)

 

كما تطرق محمد نور الدين أفاية لاستدعاء المرأة الكاتبة للبُنى التي تؤكد استقلاليتها، إحداها محكومة بالصراع مع الرجل حيث" أن المرأة حين تكتب فإنها تستدعي المكبوت المتراكم عبر الزمن لتُعلنه –أو تلعَنه-في حوارها أو صراعها"(6).

 

   وقد تحترق الأسئلة أكثر ولكن دون رماد.

 

    - هل صيغة المُؤنث كافية هنا لتحديد التصور النسوي للعالم ؟

 

    - هل مصطلح "الكتابة النسائية"، كممارسة إبداعية، من تحديد جنس الكاتب ذكر/أُنثى؟

 

- كيف يمكن للناقد والمتفحص للكتابة النسائية معرفة حدود تواجد المخيال الذكوري في المنتوج الإبداعي النسوي على اعتبار أن التنشئة الإبداعية للأنثى كانت من طرف الثقافة الذكورية ؟.

 

وخلاصة القول فالأدب النسائي شكل على الخصوص مجمل تاريخ صراع ومقاومة من طرف النساء قصد الحصول على الحق في الوجود والمعرفة والكينونة ومن ثم ابتدأ التفكير في الإشكالية الأدبية ومُساءلة هوية الكتابة النسائية التي ارتبطت في وعي الكتابة النقدية بإقصاء النساء من الحقل الاجتماعي والسياسي والثقافي كحقيقة مضمرة ينتجها لاشعور المنطق الذكوري وقد تركز هذا الاستشكال في قولة سيمون دي بوفوار" مشكل المرأة كان دائما هو مشكل الرجل".

 

 

   

 

 

هوامش المقالة:

1- خالدة سعيد " المرأة   التحرر  الإبداع " سلسلة بإشراف فاطمة المرنيسي ، نشر الفنك، الدار البيضاء 1991 ص: 86.

 

2- محمد نور الدين أفاية ،الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، إفريقيا الشرق –الدار البيضاء،1988،ص:35 .

 

3- د.نادية لعشيري – ملامح في صورة المراة من خلال بعض مصادر الأدب الاندلسي-  أعمال ندوة المرأة والكتابة ، سلسلة ندوات 8 جامعة المولى إسماعيل كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس ، 1995، ص:81.

 

4- دة. زهور گورام (المرأة والتخييل) أعمال ندوة المرأة والكتابة، نفس المرجع السابق ص: 23. والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، ص:9.

 

 

5- نفس المرجع السابق ص: 23.

 

6- محمد نور الدين أفاية ،الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، ص:9.

 

 

 

Publié dans نـقـد

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article